السيد محمد حسين فضل الله
52
من وحي القرآن
« الأنفال » تتحدث عن المنع عن الأسر قبل الإثخان ، بينما آية « محمد » تتحدث عن الأسر بعد الإثخان « 1 » ، فأين المنافاة ؟ . وقد نلاحظ على هذا الجواب ، أنّ لقائل أن يقول : إن الإثخان الذي تتحدث عنه الآية في هذه السورة ، هو الإثخان في المعركة التي يقع الأسر فيها ، بينما تتحدث الآية الأخرى عن الإثخان في الأرض الذي هو كناية عن امتداد القوّة في مجمل المعارك التي يخوضها الإسلام ضد الكفر وينتصر فيها . ولكن لا مانع من التصرف في ظهور الآية الأولى التي عالجت الأسر في دائرة خاصة ، حيث شغل المسلمين الإكثار من الأسرى في معركة بدر ، عن التركيز على قتل أكبر عدد ممكن من الأعداء لتحطيم قوتهم القتالية بالقضاء على قوتهم العددية ، مما يجعل من مسألة الإثخان في الأرض ، كناية عن الحصول على القوة التي يضعف أمامها العدوّ ، لا سيّما في تلك الظروف التي يكون فيها الانتصار على العدوّ في المعركة الأولى ، حيث لا تكافؤ في ميزان القوّة بين المسلمين والمشركين ، عنوانا كبيرا من عناوين تأكيد القوّة الإسلامية في الساحة . وقد ذكر بعضهم أن هذه الآية منسوخة بآية السيف في قوله تعالى : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [ التوبة : 5 ] ، ولكن هذه الآية خاصة بالمشركين ، ولا مانع من أن يكون خاص مخصصا للعام الوارد بعده ، لا ناسخا له ، وقد ذكر علماء الأصول أنّ التخصيص مقدّم على النسخ ، مع ملاحظة أخرى ، وهي أن جوّ آية التوبة هو جوّ ملاحقة المشركين بعد انتهاء المعاهدة ، ليكون الموضوع إنهاء حالة السلم ، دون نظر إلى طبيعة التفاصيل ، في الوقت الذي كان الإسلام فيه يملك السيطرة الشاملة على الموقف ، بينما تتحدث هذه الآية عن سير الموقف القتالي في الطبيعة العامة للحرب . وقد يتساءل القارئ للقرآن ، بأن هذه الآية لم تتحدث عن قتل الأسير
--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 18 ، ص : 229 .